الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
44
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
سورة الأنبياء مكية ، مائة واثنتان وعشرة آية ، ألف ومائة وثلاثون كلمة ، أربعة آلاف وثمانمائة وستون حرفا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ، أي قرب من كفار قريش وقت حساب أعمالهم الموجبة للعقاب ، فإن كل آت قريب ، وإن طالت أوقات ترقّبه ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ، أي والحال أنهم منكرون للحساب ، لا يتفكرون في عاقبتهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء المحسن والمسئ ، مُعْرِضُونَ ( 1 ) . عن الآيات المنبّهة لهم عن سنة الغفلة . ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ، أي من جزء نازل من القرآن ينبههم عن الغفلة أتمّ تنبيه ، مِنْ رَبِّهِمْ ، متعلق ب « يأتيهم » ، مُحْدَثٍ أي متجدد ننزله آية بعد آية ، وسورة بعد سورة ، بحسب اقتضاء الحكمة . قرأ ابن أبي عبلة « محدث » بالرفع صفة ل « محل » ذكر ، إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) . أي والحال أنهم يهزئون . لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ، حال من واو « يلعبون » . والمعنى : ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال ، إلا حال استماعهم إياه مستهزئين به حال كون قلوبهم غافلة عن معناه ، لفرط إعراضهم عن النظر في الأمور وعن التفكّر في العواقب . وقرأ ابن أبي عبلة « لاهية » بالرفع خبر ثان ، أو خبر مقدّم وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ، أي بالغوا في إخفاء التناجي ، وجعلوه بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ، الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو « أسرّوا » ، أو مبتدأ وخبره « أسرّوا النجوى » . والمعنى : وهم أسرّوا النجوى ، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم ، هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) ف « هل » بمعنى النفي ، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام ، و « أنتم » حال من فاعل « تأتون » مؤكدة للاستبعاد ، فالجملتان الاستفهاميتان في محل نصب ، على أنهما محكيتان للنجوى ، لأنها في معنى القول . والمعنى : ما محمد إلّا بشر من جنسكم ، فكيف يختص عنكم بالرسالة ؟ وما أتى به سحر ، أتعلمون ذلك فتحضرونه على وجه القبول والحال أنكم تبصرون بأعينكم أنه آدمي مثلكم ، وأن ما ظهر منه من نوع السحر . قالَ أي محمد وهو حكاية من اللّه لقول رسوله ، وهذا قراءة حمزة والكسائي وحفص ، عن عاصم .